العمل الاقتصادي العربي المشترك أبعاده وتطوره
Loading...
Date
1994-03-26
Authors
Journal Title
Journal ISSN
Volume Title
Publisher
ياسر بشير
Abstract
الفصل الأول
أبعاد العمل الاقتصادي العربي المشترك ومراحلھ
مقدمة
تتأثر العلاقات بین مجموعة من الدول الواقعة في إقلیم (جغرافي) معین بمدى ما ینشأ بین مصالحھا من
تداخل، یعكس أحیانا قدرا من التناقض قد یصل بھا إلى حد الصراع الذي یفضي عادة إلى خسائر تمنى بھا جمیع
الأطراف. وحتى إذا استطاعت بعض الأطراف تحقیق مكاسب صافیة (أي تفوق خسائرھا) فإن ھذا غالبا ما یقابلھ
joint خسائر لآخرین. ولذلك تعمل الأطراف المعنیة على تفادي الصراع بالاتفاق على أن تقوم معا بعمل مشترك
یعزز قدراتھا جمیعا على تحقیق مكاسب تفوق ما تستطیع بلوغھ منفردة أو من خلال صراع. والواقع أن action
ھذا أمر لا یقتصر على الدول الواقعة في إقلیم معین، بل قد یحدث بین دول متباعدة مكانیا ولكنھا ترتبط معا في
بعض جوانب الحیاة، أو على المستوى العالمي كلھ، وھو أمر ظھرت أھمیتھ في القرن العشرین وتزایدت مع
تنامي عوامل الكوكبة. ولكن الذي یمیز ما یحدث على المستوى الإقلیمي ھو أنھ یتصف بالتراكم على نحو یكسب
العلاقات بین دول الإقلیم قدرا أكبر من التوافق یزید من المساحات التي تقبل الدول المعنیة أن تخضعھا للعمل
المشترك لشعورھا بأن ھذا فیھ مزید من المكاسب لھا وأن الرجوع عنھ یمكن أن یكبدھا خسائر یجدر بھا أن تعمل
على تفادیھا. بل إنھا قد تجد أن من الأفضل لھا أن تحقق تكاملا فیما بینھا في عدد من المجالات، وھو تكامل قد
في كیان واحد یحل محل الكیانات المتفرقة. من ناحیة أخرى فإن إنشاء integration یصل إلى مداه بالاندماج معا
وحدة بین دول إقلیم معین قد یكون ھدفا قائما بحد ذاتھ، یجعلھا تسعى إلى الاندماج معا، إما بدافعٍ من حنین إلى
استعادة وحدة كانت قائمة من قبل وظلت معالمھا الثقافیة والاجتماعیة متغلغلة وإن تراجعت جوانبھا السیاسیة
والاقتصادیة لأسباب خلقتھا ظروف وقوى خارجیة، أو للشعور بأن المستقبل لا یضمر الكثیر من الخیر إلا إذا
تغلبت على نوازع الفرقة في عالم الكیانات الكبیرة.
على أن التجارب تشیر إلى أن التمسك بالقطریة قد یقف حائلا دون التحمس لإجراء تكامل بصورة مباشرة
خاصة إذا كانت حالة الفرقة قد أنشأت تباینات في أوضاع الدول المعنیة وفي رؤیة كل منھا لما یعود علیھا من
الاندماج في كیان تكاملي. ولذلك فإنھا قد تفضل الوقوف في منتصف الطریق بین التشرذم والوحدة، من خلال
یجمع بین ما ھو قطري وما ھو مشترك، دون أن یھدد بانتقاص من سیادة أي منھا بصورة cooperation تعاون
دائمة بالتنازل عنھا إلى كیان إقلیمي. ویعتبر التعاون ھو الصیغة الأعم، لأنھ مقدمة ضروریة أو جزء لا یتجزأ من
مساعي التكامل، ولكن حدوثھ لیس شرطا لقیامھ. ولذلك ظھر اصطلاح "العمل المشترك" كلفظ فضفاض تنفرد بھ
اللغة العربیة ویعكس ثراءھا، على حد رأي الدكتور إسماعیل صبري عبدلله، فھو "أقوى من تعبیر التعاون أو
التنسیق ... إلخ، ولذلك فھو یراعي الشعور القومي. وھو في الوقت نفسھ أضعف من تعبیر الوحدة أو التكامل الذي
تخشاه بعض الدوائر ویراه البعض الآخر غیر واقعي أو حتى غیر علمي"( 1). والواقع أنھ یمكن القول أن ھذا
المصطلح لفظ جامع، یشمل أبسط صور التعاون في أحد جانبیھ، وأعمق صیغ التكامل الإقلیمي على الجانب
الآخر. ومن ثم تتسع دراستنا للعمل العربي المشترك لكلا النوعین معا.
وبحكم أن العمل المشترك ینصب على العلاقات التي تقوم بین مجموعة من الدول، فإنھ یتحدد وفقا لثلاثة
أبعاد:
الأھداف التي تتبناھا كل من ھذه الدول والتي تتغیر من وقت إلى آخر وفقا لتطور أوضاعھا والتغیرات في
التحدیات التي تواجھھا، والتي تختلف من حیث مدى التوافق فیما بینھا. فإذا استبعدنا الحالات التي تدفعھا فیھا
حدة الاختلاف إلى الصراع المسلح، فإنھ یمكن التمییز بین ثلاث حالات:
وجود تناقض بین أھدافھا تعمل معا على إزالتھ، تفادیا للصراع الذي یعود عادة بالخسارة علیھا جمیعا.
وجود تماثل بین تلك الأھداف، وتقدیر لأن یساعد التفاھم على العمل معا من أجل بلوغھا، على تحقیقھا
بصورة أفضل من العمل بصورة منفردة.
تبنّي جمیع الأطراف أھدافا مشتركة، مما یدفعھا إلى العمل معا لتحقیقھا.
الأدوات التي تتفق الأطراف المختلفة على استخدامھا بصورة مشتركة من بین الأدوات التي تستخدمھا كل منھا
من أجل تحقیق أھدافھا. وإلى جانب ما یتخذ شكل إحداث توافق بین الأدوات القطریة، وھو ما تتزاید احتمالاتھ
