لتجارب التكاملية فى العالم والدروس المستفادة عربيًا
Loading...
Date
Authors
Journal Title
Journal ISSN
Volume Title
Publisher
ياسر بشير
DOI
Abstract
تجارب التكامل العالمیة
ومغزاھا للتكامل العربي
تألیف
محمد محمود الإمام
أ
جدول المحتویات
مقدمة 1
الباب الأول: الخبرة الأفریقیة في التعاون والتكامل الإقلیمي 6
الفصل الأول: التعاون والتكامل على مستوى القارة والمستویات الأدنى 6
الفصل الثاني: تجارب التكامل في شرق وجنوب أفریقیا 28
الفصل الثالث: تجارب التكامل في وسط أفریقیا 59
الفصل الرابع: تجارب التكامل في غرب أفریقیا 74
الفصل الخامس: تقییم تجارب التكامل الأفریقیة 101
الباب الثاني: تجارب التكامل في آسیا وأوقیانوسیا والباسیفیكي 117
الفصل الأول: التعددیة في تجارب آسیا وأوقیانوسیا والباسیفیكي 117
الفصل الثاني: تجارب وسط وجنوب آسیا 142
الفصل الثالث: تجارب جنوب شرق آسیا 157
الفصل الرابع: تقییم تجارب آسیا وأوقیانوسیا والباسیفیكي 186
الباب الثالث: التجارب الأمریكیة 191
الفصل الأول: التعاون والتكامل في نصف الكرة الغربي 191
الفصل الثاني: التعاون والتكامل في أمریكا اللاتینیة 214
الفصل الثالث: التجمعات الجزئیة لأمریكا اللاتینیة 230
الفصل الرابع: تجمعات حوض الكاریبي 257
الفصل الخامس: تقییم تجارب التكامل الأمریكیة 291
الباب الرابع: المعالم الأساسیة للتجارب العربیة 303
الباب الخامس: خلاصة تجارب التكامل ومغزاھا بالنسبة للوطن العربي 333
الفصل الأول: خلاصة التجارب الأوروبیة 333
الفصل الثاني: خلاصة تجارب التكامل بین الدول النامیة 366
الفصل الثالث: خصائص التكامل العربي في ضوء التجارب العالمیة 401
الباب السادس: خاتمة - نحو مشروع لتطویر التكامل العربي 426
المراجع
أ
شكر وتقدیر
یعود الفضل في إجراء ھذه الدراسة إلى رغبة أبداھا مركز دراسات الوحدة العربیة في صیاغة مشروع
متكامل للتكامل العربي، في ضوء دراسة مستفیضة لتجربة الاتحاد الأوروبي بمختلف أوجھھا، الاقتصادیة
والسیاسیة، وجھ على أساسھا دعوة للزمیل الفاضل الدكتور/حسن نافعة ولي، للمشاركة في ندوة في بیروت یوم
11 مارس/آذار، ضمت عددا من الزملاء الأجلاء للتشاور حول أھداف الدراسة وعناصرھا الأساسیة. ولقي
الاقتراح الذي تقدمت بھ بألا یقتصر الأمر على تجربة لھا خصوصیتھا، حتى ولو كانت النموذج الذي تحاول
تجمعات مختلفة، بما فیھا العربي، الاسترشاد بھا فكرا وتطبیقا. إلى جانب ذلك ھناك حقائق أخرى قد تكشف عنھا
تجارب لدول نامیة أقرب في أوضاعھا إلى العربیة، تضیف إلى تلك التجربة. وتم الاتفاق بناء على ذلك على أن
تجرى دراستان: إحداھما للاتحاد الأوروبي یقوم بھا الدكتور/نافعة، والثانیة لتجارب الأقالیم الأخرى استكمالا
للصورة العالمیة. وتفضل المركز مشكورا بأن عھد بھا إلى، على أن یقوم كلانا بالاستئناس برأي الآخر. كما
تفضل بتقدیم التسھیلات، التي كان بدونھا یصبح إنجاز ھذه الدراسة عبئا ثقیلا.
وقد كان لھذا الترتیب أثره الذي لا ینكر، حیث تم الاتفاق مع الدكتور/نافعة في البدایة على التصور الأولي
للدراستین. وكانت للمشاركة المستمرة من جانبھ في مراجعة المسودة الأولى لھذه الدراسة، والملاحظات القیمة
التي أبداھا، فضل تنقیح مسودتھا الأولى، وھو ما یستوجب التعبیر عن عمیق شكري لمساھماتھ، وتقدیري لعلمھ
الغزیر ولوضوح فكره وسلاسة أسلوبھ. كما أشكر مركز دراسات الوحدة العربیة مرة أخرى على أنھ استن سنة
حمیدة، بأن قام في ختام الدراستین بطرحھما على عدد من ذوي الخبرة العرب للاستئناس بآرائھم حولھما. كما
رتب لندوة أخرى ساھم فیھا نخبة مختارة من الزملاء تناولوا مسودة الدراسة بالتمحیص، وكانت لآرائھم القیمة
أھمیتھا في تنقیح محتویاتھا والمساعدة على صیاغة المشروع بصورتھ المطروحة. وأتقدم بالشكر تقدم بالشكر إلى
الدكتور/جمیل مطر مدیر المركز العربي لبحوث التنمیة والمستقبل باستضافتھا وإعداد تسجیل واف لما دار فیھا.
كما أخص بالشكر الزمیل الفاضل الدكتور/إسماعیل صبري عبدلله الذي أضاف إلى مساھماتھ القیمة في الندوة
الثانیة، ملاحظاتھ الثاقبة على المشروع المقترح الذي استعنا في صیاغتھ بأفكار نشرھا من قبل. ولا یكتمل واجب
الشكر إلا بتوجیھھ إلى الدكتور / خیر الدین حسیب الذي خصص من وقتھ وأضفى من علمھ وخبرتھ، فضلا عن
صبره على طول الوقت الذي استغرقھ إعداد الدراسة، بما ساعد على خروجھا على ھذه الصورة التي تظل
مسئولیة كاتب ھذه السطور الذي یتحمل وحده أي قصور فیھا، والتي لا تلزم مركز دراسات الوحدة العربیة بأي
وجھ من الوجوه.
وفقنا لله جمیعا إلى ما فیھ خیر ھذه الأمة التي نعتز بالانتماء لھا، ونرجو لھا الخروج من الكبوات والمكائد
التي تدبر لھا، واستعادة وحدة الصف التي تمكنھا من أن تطھر أراضیھا من قوى البغي، وتتصدى لكل ما یدبر لھا
من مكائد، وأن تحتل المكان اللائق بھا بین أمم العالم.
القاھرة، یولیو/تموز 2004 محمد محمود الإمام
1
مقدمة
شھد العالم في منتصف القرن العشرین تحولات ھامة أثرت على أسالیب إدارة شؤون الدول وتنظیم العلاقات
فیما بینھا. فعلى الصعید السیاسي أعقب الحرب العالمیة الثانیة إجماع عالمي على رفض اعتماد الصراع المسلح
كأداة لتحقیق المطامع القطریة أو لضم دول إلى بعضھا بحد السلاح. وتبع ذلك شیوع أھداف استقرار السلام
والأمن للأوطان، واحترام حقوق الإنسان، وتحقیق استقرار اقتصادي یساھم في بناء ازدھار اقتصادي یرفع
مستویات معیشة المواطنین ویغني عن اللجوء إلى انتزاع ثروات الآخرین بالقوة. التحول الثاني، وینطلق من نفس
المبدأ، ھو رفض الاستعمار المباشر وتولدت عنھ نزعات للاستقلال عمّت المستعمرات في مختلف بقاع العالم،
ودفعتھا إلى الكفاح من أجل إزاحة المستعمر الذي نھب ثروات الشعوب وعمّق وجوده عوامل تخلفھا. وترتب على
الأمرین اتجاه إلى تحقیق وحدة سیاسیة، ترى فیھا الدول المتقدمة ما یغنیھا عن العودة إلى الصراع المسلح،
ویعظّم مساحة المصالح المشتركة بینھا، بینما تجد فیھا الدول حدیثة الاستقلال وصغیرة الحجم ما یمكنھا من
التخلص مما فرضھ الاستعمار علیھا من تمزق. غیر أن الھدف لم یكن سھل المنال: فالدول الأوروبیة المتقدمة
حالت بینھا وبین التوحد المباشر الحزازات التي خلفتھا الحروب المتتالیة، بینما لم یكن لدى الدول حدیثة الاستقلال
رصید من الخبرة بإدارة شؤون دولة حدیثة، كما أن محاولات التوحد بین دول ربط بینھا الوقوع بید نفس
المستعمر لم تجد لھا سندا كافیا من الروابط الثقافیة والاجتماعیة بینما حال ضعف بنیتھا كدول دون تمكنھا مجتمعة
من إدارة شؤون دولة تضمھا وبناء قدراتھا 0
وأدت مراجعات المواقف إلى بروز الشأن الاقتصادي كعامل یلعب أدوارا متعددة. فالدول الرأسمالیة عانت
خلال ثلاثینات القرن العشرین من حروب تجاریة أدت إلى تفاقم وقع الدورات التجاریة والخسائر التي أصابتھا
بسبب الكساد الكبیر، الأمر الذي عزز دوافع الصراع العسكري بینھا. وأدى ھذا الصراع إلى تحطیم بنیاتھا
الاقتصادیة والحاجة إلى إعادة تعمیرھا. وأفضت أزمة الثلاثینات إلى إعطاء دور أكبر للدولة في معالجة التقلبات
الدوریة، وإن جرى ذلك دون مساس جوھري بآلیات السوق. بالمقابل أوجد قیام المعسكر الاشتراكي نموذجا بدیلا
لمسئولیة الدولة عن إدارة شؤون الاقتصاد الوطني، وأضاف إلیھا دورا آخر في إدارة العلاقات الخارجیة یقوم
على التعاون الاقتصادي والتقني. وفي العالم القدیم أدت موجات الاستقلال السیاسي إلى اعتماد الأنظمة الوطنیة
المتحررة التنمیة الاقتصادیة كھدف محوري، مصحوبة بمحاولة الفكاك من علاقات اقتصادیة دولیة غیر متكافئة
موروثة من عھد الاستعمار الأوروبي. من جھة أخرى فإن تنامي القوة الاقتصادیة للولایات المتحدة دفعھا إلى
حمل لواء الحریة الاقتصادیة التي كانت تعني بالنسبة لھا نفاذا إلى أسواق الدول الأخرى، مصحوبا بتزاید في حجم
المنشآت الإنتاجیة، لاسیما في الصناعات المتطورة، ومحاولة اقتحام الاقتصادات الأخرى بدءا من نصف الكرة
الغربي في أمریكا اللاتینیة، الأمر الذي دفعھا للتعاون للتخلص من التبعیة.
وأفضت التطورات السابقة إلى التوجھ نحو إقامة ترتیبات إقلیمیة تعید ھیكلة العلاقات الدولیة الاقتصادیة
لحمایة المكتسبات السیاسیة وتمھد للتوحد السیاسي بعد أن اتضحت صعوبة القفز إلیھ. فالدول المتقدمة وجدت فیھا
وسیلة لبناء علاقات تحقق ما كان یراد تحقیقھ بالضم القسري بأسلوب یكفل السلام ویمكن أن یفضي إلى انضمام
طوعي یعود بالخیر على شعوبھا، ویساعد في الوقت نفسھ على إحلال علاقات اقتصادیة متناغمة محل العلاقات
المتنافرة. والدول النامیة رأت فیھا مخرجا من الروابط غیر السویة مع الدول الاستعماریة والتي تحولت من نھب
قسري لثرواتھا من الموارد الطبیعیة وتحجیم لقدراتھا على بناء صناعات تحویلیة خلال مرحلة الاستعمار، إلى
استنزاف لمواردھا من خلال آلیات التبعیة التي غذتھا عابرات القومیات وأنشأت علاقات غیر متكافئة أعاقت
جھودھا التنمویة. وفي جمیع الأحوال ارتبطت التوجھات الإقلیمیة بتعزیز التنمیة التي ناءت بأعبائھا منفردة، وھو
ما ارتبط بفك روابط التبعیة والاستعاضة عنھا باعتماد جماعي على النفس.
وفي ھذا السیاق حولت أوروبا مساعیھا الوحدویة إلى دعاوى لانتھاج أسلوب التكامل الإقلیمي السلمي الذي
یبدأ في المجال الاقتصادي، لیطور فیما بعد إلى اندماج یسھّل إقامة وحدة سیاسیة. وجرى تطویر المنھج الوظیفي
الذي یقوم على أساس تعاون في مجالات أقل ما تكون إثارة للخلاف أو مساسا بالسیادة، مع كونھا في نفس الوقت
تمس الحیاة الیومیة للناس محققة لھم منافع یصعب على الأقطار الأعضاء بلوغھا منفردة مما یدفع المواطنین إلى
تقبل قدر أكبر من التعاون في مجالات أخرى. واتخذ التطویر شكل منھج وظیفي محدث، یضیف إلى قاعدة التدرج
في بناء التكامل، قاعدة أخرى ھي التدرج في إكساب مؤسسات التكامل سلطات أوسع تنتقل إلیھا من سلطات
المؤسسات القطریة، بعد الاطمئنان إلى قدرتھا على تلبیة احتیاجاتھم وجدارتھا بأن توكل لھا موارد وفعالیات كانوا
یترددون في التخلي عنھا لھا من قبل. وھكذا تبدأ ترتیبات التكامل بما یسمى التكامل السلبي الأقل مساسا بالسیادة
2
في مجالات تتعلق بالعلاقات الاقتصادیة البینیة، وتدخل تدریجیا في تكامل إیجابي أكثر مساسا بالشؤون الاقتصادیة
الداخلیة، وھو ما یتطلب حدوث قدر متزاید من التقارب بین مستویاتھا الاقتصادیة. وخلال ذلك تتوثق العلاقات
الثقافیة والروابط الاجتماعیة الأمر الذي یسھل الإقدام على اندماج سیاسي یحقق لجمیع الشعوب مطامح تفوق ما
تستطیعھ منفردة، ویقضي نھائیا على عوامل الفرقة ودواعي الصراع. وھكذا یتحقق الھدفان الأساسیان من
التكامل: السلام ورفع مستویات المعیشة.
ورأت الدول النامیة في ترتیبات التكامل الإقلیمي منفذا إلى تصحیح علاقاتھا الخارجیة ودعما لجھودھا
التنمویة القطریة، مع استبقاء أمل الوحدة السیاسیة للدول التي سعت إلیھا وعجزت عن تحقیقھا. فالبدء بالنواحي
الاقتصادیة یعني تقویة العلاقات البینیة الأكثر اتصافا بالتكافؤ، ومن ثم تقویة موقفھا في شبكة العلاقات الدولیة التي
یغیب عنھا ھذا التكافؤ. وبعبارة أخرى فبینما كانت الدول المتقدمة تسعى لمعالجة المشاكل التي قامت في علاقاتھا
البینیة المتسمة بالكثافة، فإن الدول النامیة استھدفت تعزیز علاقات بینیة واعیة لتدعم موقفھا مع العالم الخارجي
وتنھي العلاقات غیر السویة التي أورثتھا التخلف وھددت تنمیتھا بأن تكون مشوھة. وتلمست الدول النامیة الطریق
إلى كل من التنمیة والتكامل من الأدبیات التي نشأت أساسا في العالم المتقدم. فبالنسبة للتنمیة القطریة أخذت
بأسلوب التخطیط الإلزامي الذي أرست قواعده النظم الاشتراكیة، دون أن تلحظ أن ھذه الأخیرة وضعت ھذا
الأسلوب في إطار اجتماعي مغایر، وأن التنمیة ھي في جوھرھا عملیة مجتمعیة شاملة. من جھة أخرى، فسواء
أخذت محلیا بنظام السوق أو اعتمدت على القطاع العام، فإنھا في الغالب أخذت عن أوروبا الغربیة تكامل الأسواق
رغم ضعف بنیات أسواقھا القطریة ومحدودیة مجموع ھذه الأسواق فیما یسمى سوقا إقلیمیة بالقیاس إلى الأسواق
العالمیة، وضعف العوامل الحاكمة في تسییر ھذه الأسواق من رأسمال ومعرفة. وكانت النتیجة المنطقیة ھي أنھا
ظلت تدور في حلقات مفرغة بالنسبة للتنمیة والتكامل معا، عدا قلة منھا.
وجاء الربع الأخیر من القرن السابق حاملا معھ نذرا عدیدة أصابت كلا من العالم الثاني والثالث بسلبیات
أفرزتھا مشاكل العالم الرأسمالي، بدءا من انھیار نظام النقد العالمي المقام في بریتون وودز، وتفاقم مدیونیة دول
العالم الثالث وبخاصة تلك التي اعتمدت على رأس المال الأجنبي. وبینما أقامت الجماعة الأوروبیة نظامھا النقدي
وبدأت تركز على تنسیق سیاساتھا الاقتصادیة تمھیدا لإقامة اتحاد اقتصادي ونقدي، تحولت الدول الاشتراكیة
الأوروبیة إلى نظام السوق وتسابقت إلى الالتحاق بالاتحاد الأوروبي. وشجع ھذا المؤسسات المالیة الدولیة على
مضاعفة جھودھا لإعطاء برامج إعادة الھیكلة الاقتصادیة أولویة على برامج التنمیة في العالم الثالث. وشھد العقد
الأخیر تناقضا في المواقف. فمن ناحیة تصاعدت الدعوة إلى الأخذ بتنمیة إنسانیة تتمحور حول الإنسان، وتقوم
على أسس اجتماعیة ورعایة لحقوق الإنسان وتمكین المرأة وسیاسة سكانیة فعالة، وإفساح دور متمیز لوحدات
المجتمع المدني. بالمقابل اشتدت الحملة المتمحورة حول السوق، تطالب بتعدیل النظم الاقتصادیة القطریة لتتفق مع
قواعد تحریر التجارة في السلع والخدمات وانتقال رؤوس الأموال مع حمایة الملكیة الفكریة لصالح الاقتصادات
الأكثر تقدما، ولمنفعة عابرات القومیات، وإیلاء شؤون البیئة اھتماما من المنظور العالمي الذي تسیطر علیھ الدول
المتقدمة المسئولة الأولى عن تخریب البیئة والرافضة للتراجع عما بنت ربحیتھا علیھ. ولتعزیز ھذه التوجھات
غیرت الولایات المتحدة من موقفھا من الدخول في ترتیبات إقلیمیة، لتقود مع الاتحاد الأوروبي إقلیمیة جدیدة تضم
دولا نامیة إلى دولة أو تجمّعٍ لدول متقدمة، بدعوى مساعدتھا على التمسك بالبرامج التي تفرض علیھا لإعادة
ھیكلة اقتصاداتھا، بل ونظمھا السیاسیة والاجتماعیة ومنظوماتھا الثقافیة. وتبع ذلك تغیر في موقف تجمعات العدید
من التجمعات الإقلیمیة النامیة من قضایا التنمیة والتكامل. وفي ھذا السیاق فإن تحریر التبادل التجاري البیني لم
یعد مقدمة لتكامل إقلیمي إزاء العالم الخارجي بل أصبح أساسا لتكامل اقتصادي مقترن بما یسمى تعمیق التكامل
الاقتصادي، یفضي إلى اندماج في الاقتصاد العالمي، مرسخا بذلك قواعد التبعیة وعدم التكافؤ.
ودفعت ھذه التغیرات إلى قیام تجمعات الدول النامیة إجراء مراجعة شاملة أفضت إلى جیل جدید من اتفاقیات
التكامل، یختلف في أسسھ عن الجیل السابق الذي طغى علیھ الاقتباس من التجربة الأوروبیة. ولم تكن الدول
العربیة غائبة عن ھذه التطورات، بل كانت من أوائل تجمعات العالم النامي التي أخذت بالتكامل الإقلیمي المفضي
إلى وحدة داعبت مخیلة الشعوب بعض الوقت. وبینما تظل تجاھد لإعادة بناء المنھج التقلیدي الذي اتضح عجز
فیھا، كما في تجمعات نامیة أخرى عدیدة، فإنھا تقع فریسة الإقلیمیة الجدیدة، ولكنھا تتردد في إجراء مراجعة
شاملة لمنھجھا التكاملي. وثار في الوطن العربي، وفي أقالیم أخرى نامیة، تساؤل حول أسباب نجاح المنھج
التقلیدي للتكامل في أوروبا وفشلھ في غیرھا. وانطوى ھذا التساؤل عن افتراض ضمني بأن الفشل في تطبیق
المنھج الذي ابتدعتھ الدول الأوروبیة یقضي بإعادة النظر في التجارب الإقلیمیة لمعرفة أوجھ التشابھ والاختلاف،
3
واقتراح وصفات مناسبة للعلاج. غیر أن السؤال الذي لم یطرح بنفس القوة ھو: لماذا فشلت معظم محاولات الدول
النامیة لتطبیق ھذا المنھج، بما في ذلك المحاولة العربیة ؟ ویلي ھذا تساؤل آخر ھو: ھل التعدیلات التي تتعرض
لھا التجمعات النامیة، سواء ضمن حدودھا الذاتیة أو في إطار الإقلیمیة الجدیدة قادرة على إخراجھا من عثرة
التكامل والتنمیة فیھا ؟ ثم: ھل ما یطرحھ البعض من نبذ الإقلیمیة والأخذ بتحریر اقتصادي قطري بمؤازرة من
المؤسسات الدولیة والقوى الواقفة خلفھا، أجدى في ظل قوى العولمة المتنامیة ؟ وھل حقا أن المعیار الذي تنسب
إلیھ قدرة ترتیبات التكامل ھو نجاحھا في التحریر متعدد الأطراف للتدفقات الاقتصادیة، وبخاصة السلع والخدمات
ورأس المال كما تدعي المؤسسات الدولیة ؟
ھذه الأسئلة ومثیلاتھا أثیرت عندما دعاني مركز دراسات الوحدة العربیة مع الزمیل الدكتور / حسن نافعة
لمناقشة الاستعانة بالخبرات العالمیة من أجل صیاغة مشروع لتكامل عربي فعال. وجرى الاتفاق على أن یتولى د.
نافعة إجراء دراسة متأنیة ومتعمقة للاتحاد الأوروبي تتناول مختلف جوانبھ والعوامل التي حكمت تطوره إلى أن
أصبح نواة لقوة كبرى ثانیة، تسعى إلى المضي في التكامل الإقلیمي حتى نھایتھ، ومن ثم النظر إلى التجربة
الأوروبیة في مرآة التجربة العربیة. على الجانب الآخر كان من المھم إجراء دراسة شاملة لخبرات تجمعات الدول
النامیة، تتناول تطورھا وتساعد في استخلاص العبر من ھذا التطور، سواء في ظل الجیل الأول للاتفاقیات
التكاملیة الذي كان العرب من أوائل من أخذ بھ، أو دواعي التحول إلى الجیل الثاني وفرصھ في تحقیق ما عجز
عنھ الجیل الأول. وعزز الحاجة إلى إجراء ھذه الدراسة انشغال الأدبیات العالمیة والعربیة بالتجربة الأوروبیة،
وندرة المعالجات لتجارب الدول النامیة بصورة مقارنة تساعد على وضع أسس لما یمكن اعتبره منھجا صالحا
للتطبیق في ظروف الدول النامیة، واستخلاص الدروس المستفادة بالنسبة للتكامل الإقلیمي العربي بصورتھ العامة
ولیس فقط باعتباره تكاملا اقتصادیا محدودا.
وأشارت المادة التي تجمعت لدینا إلى أنھ یصعب تصنیفھا في نماذج محددة المعالم تطرح بدائل یمكن اختیار
ما یعتبر مناسبا منھا. فضلا عن أنھ من غیر المناسب في الترتیبات المجتمعیة نقل نماذج من تجارب أخرى بغض
النظر عن الظروف الخاصة للمجتمع موضع الدراسة. وقد تبین أن ھناك الكثیر الذي یجمع بین تجارب تجمعات
الدول النامیة الواقعة في كل من القارات الثلاث: أفریقیا وآسیا وأمریكا (اللاتینیة). ساھم في ذلك اختلاف الدور
الذي لعبتھ اللجان الاقتصادیة الإقلیمیة للأمم المتحدة فیھا. لذلك فضلنا أن نقسم الدراسة إلى أبواب وفق التقسیم
القاري، بما في ذلك تخصیص باب للتجربة الأوروبیة وآخر للتجربة العربیة.
ویتناول الباب الأول الخبرة الأفریقیة في التعاون والتكامل الإقلیمي. ونظرا لتمیز ھذه الخبرة بالسعي المستمر
إلى الوحدة على مستوى القارة، فقد خصصنا الفصل الأول للتعاون والتكامل القاري تاركین الأقالیم إلى الفصول
التالیة. ویحتوي الفصل الأول تجارب فرعیة تشمل تجمع سین –- صاد وتجمعات الودیان. ویتناول الفصل الثاني
تجارب شرق وجنوب أفریقیا، وھي جماعة شرق أفریقیا، وتجمعات جنوب أفریقیا، وتلك التي تجمع الشرق
والجنوب معا. ویعرض الفصل الثالث تجارب وسط أفریقیا، بدءا بأفریقیا الوسطى الفرنكفونیة، ثم الجماعة
الاقتصادیة لدول البحیرات العظمى، والجماعة الاقتصادیة لدول وسط أفریقیا. بالمثل یبدأ الفصل الرابع المخصص
لغرب أفریقیا بتجمعات دول الإقلیم الفرنكفونیة، ثم الجماعة الاقتصادیة لدول غرب أفریقیا. ویخصص الفصل
الرابع لتقییم التجارب الأفریقیة وما یطرح من مقترحات لتطویرھا.
ویجمع الباب الثاني بین تجارب آسیا وأوقیانوسیا والباسیفیكي، ولذلك یتناول الفصل الأول للتعددیة في الإقلیم،
كما یعرض تجربة اتحادیة ھي تجربة مالیزیا وتجمعات جنوب الباسیفیكي والترتیبات الأسترالیة النیوزیلندیة،
إضافة إلى ترتیبات التعاون الاقتصادي لآسیا والباسیفیكي. ویتناول الفصل الثاني تجارب وسط وجنوب آسیا،
وھي التعاون الإقلیمي للتنمیة والدول المنفصلة عن الاتحاد السوفیتي ورابطة جنوب آسیا للتعاون الإقلیمي. وتأتي
رابطة شعوب جنوب شرق آسیا في مقدمة الفصل الثالث المخصص لتجارب جنوب شرق آسیا، یلیھا ترتیبات
التعاون الخارجي والمنتدیات الإقلیمیة التي أنشأتھا الرابطة. ونختتم ھذا الباب بتقییم عام لھذه التجارب.
ویعرض الباب الثالث التجارب الأمریكیة، فیخصص الفصل الأول للتعاون والتكامل على مستوى نصف
الكرة الغربي الذي یشمل أمریكا الشمالیة والأمریكات الثلاث التي تجمع دولا متقدمة وأخرى نامیة. وندرس في
الفصل الثاني التعاون والتكامل على مستوى أمریكا اللاتینیة. أما التجمعات الجزئیة فیخصص لھا الفصل الثالث
الذي یبدأ بالجماعة الأندیة، ثم یتناول السوق المشتركة للجنوب (المركوسور). ویخصص الفصل الرابع لتجمعات
حوض الكاریبي التي تشمل أمریكا الوسطى وجزر الكاریبي. ونختتم بتقییم للتجارب الأمریكیة.
4
وبحكم أن الدراسة موجھة أصلا لتطویر التكامل العربي، فقد خصصنا البب الرابع لعرض المعالم الأساسیة
للتجربة العربیة. ویتناول الباب الخامس خلاصة التجارب العالمیة من أجل لستخلاص مغزاھا بالنسبة للوطم
العربي. ولما كانت التجربة الأوروبیة قد خصصت لھا دراسة قام بھا الزمیل الفاضل الدكتور/حسن نافعة، فقد بدأنا
بعرض خلاصة لھذه التجربة على نحو یسھل مقارنتھا بالتجارب الأخرى. ویتناول الفصل الثاني خلاصة لتجارب
الدول النامیة المعروضة في الأبواب الثلاثة الأولى. ویشمل ذلك أبعاد الترتیبات التكاملیة ومراحلھا وصیغھا وفق
المناھج المختلفة، وأدوات وسیاسات التكامل، والأطر المؤسسیة للتجمعات التكاملیة، ونختتمھ بتعداد القضایا التي
تواجھ إقامة تجمع تكاملي. ویراجع الفصل الثالث خصائص التكامل العربي في ضوء التجارب العالمیة. وفي
ضوء ھذه الاعتبارات نعرض في الباب الأخیر مشروعا مقترحا للتكامل العربي مبتدئین بمنطلقات ھذا المشروع،
ثم معالمھ الأساسیة، ونختتم ببیان قضایا تطبیقھ.