1-حول مستقبل التنمية العربية والعمل الاقتصادي العربي المشترك
Loading...
Date
Authors
Journal Title
Journal ISSN
Volume Title
Publisher
ياسر بشير
DOI
Abstract
حول مستقبل التنمیة العربیة والعمل الاقتصادي العربي المشترك
بعد حرب الخلیج الثانیة والتطورات الإقلیمیة والدولیة المتلاحقة
إعداد
د. محمد محمود الإمام
مقدمة:
شھد النصف الثاني من القرن العشرین تحولات تكاد تعادل في حجمھا ما شھدتھ البشریة في تاریخھا الطویل، وتفوق في أبعادھا وتتجاوز
في آثارھا كل ما سبقھا. وبینما تعرض الاقتصاد العالمي إلى موجات متعاقبة من التضخم الركودي مصحوبة باضطرابات عنیفة في النظام
النقدي العالمي خلال عقد السبعینات، شھد الوطن العربي تطورات بشرت في وقت من الأوقات بأن العرب یمتلكون ما یمكن أن یرقى بھم إلى
مستوى القوة السادسة في العالم وما یستطیعون توظیفھ في بناء نموذج فرید للتكامل الإنمائي، جعل من الأحلام المشروعة لدى البعض أن ینتھي
بھم عقدان من الزمان إلى ما یجعل الاقتصاد العربي صنوا للاقتصاد الألماني الذي كان یمضي بخطى ثابتة نحو شغل مركز صدارة بین
مجموعة الدول المتقدمة. ولعل خیر ختام للجھود العدیدة التي بذلت من أجل توظیف القدرات الجدیدة آنذاك، كان مؤتمر القمة الحادي عشر الذي
انعقد في عمَّان (نوفمبر/تشرین ثاني 1980 )، وفیھ تم إقرار وثائق ھامة، كان في مقدمتھا "میثاق العمل الاقتصادي القومي"، و"استراتیجیة
العمل الاقتصادي العربي المشترك"، و"عقد التنمیة العربیة الأول"، كما صودق على "الاتفاقیة الموحدة لاستثمار رؤوس الأموال العربیة"،
وقاربت اتفاقیة جدیدة "لتیسیر التبادل التجاري العربي" حیز الإنجاز، وأُقِر لأول مرة مبدأ التخطیط على المستوى القومي.
غیر أن الثمانینات حملت من التغیرات ما قلب الموازین رأسا على عقب، وأسلمت التسعینات قدرا لا یستھان بھ من المشاكل سواء على
صعید العلاقات العربیة البینیة، أو في مختلف مجالات الأداءین الاقتصادي والسیاسي، مما جعل الحدیث عن التنمیة الاقتصادیة والتكامل
الاقتصادي العربي یخلي السبیل لخطابات أخرى تنصب في المقام الأول على متطلبات إعادة ترتیب كل بیت من داخلھ. وحفلت الأدبیات على
المستوى العالمي بمراجعات نقدیة، لیس فقط للتجارب والأسالیب المتبعة، بل وأیضا للأسس والفلسفات التي سادت في الماضي القریب، وكان
حظ التنمیة ومناھجھا من ذلك أوفر. وقد دفع ھذا المشتغلین بفروع المعرفة المختلفة إلى إعادة النظر في كثیر من النظریات القائمة، ومراجعة
تقییم التجارب العملیة للتنمیة ومناھج العمل المشترك، ولا تقف ھذه المراجعات عند حد إرجاع التجارب إلى الأسس النظریة التقلیدیة وتقصي
العوامل التي شابت الأداء في الماضي، بل امتدت إلى الأسس النظریة ذاتھا.
والمشاھد أن تعارض بعض الوقائع مع نظریات تمتعت طویلا بقدر كبیر من الرسوخ قد فتح باب الاجتھاد في مراجعة نظریات قائمة وفي
محاولة صیاغة نظریات أخرى جدیدة. غیر أن تلاحق الأحداث بلغ حدا من السرعة جعل جھود التنظیر تقصر عن التفسیر، مما ترتب علیھ عدة
أمور. الأول أن تراجع دور أدوات التنبؤ المستندة إلى نماذج مبنیة على نظریات سابقة، والمستمدة قیم معالمھا من مشاھدات حدیثة، أدى إلى
الاستعاضة عنھا بأسالیب تقوم على بناء مشاھد بدیلة والترجیح بینھا وفقا لقواعد للتفضیل یتفق علیھا، على نحو ما تلجأ إلیھ بعض الأسالیب
لا سیما في ،inductive قد أخلت السبیل لأخرى استقرائیة deductive التخطیطیة الشائعة. الأمر الثاني ھو أن المناھج الاستنباطیة في التحلیل
العلوم الاجتماعیة التي لم تتطور بما یكفي لمواكبة التغیرات المتلاحقة. الأمر الثالث، أنھ في ظل الاعتبارین السابقین تساق بعض الأحكام المسبقة
التي تدَّعي وجود "حتمیات" تحكم حركة التاریخ في المستقبل. وھكذا أصبح على أي مستقرئ للمستقبل إجراء تقییم موضوعي للنظریات القائمة
والتنظیرات المستجدة في محاولة التوصل إلى رأي بشأن بعض التعدیلات الواجب إدخالھا علیھا. وتشیر الأدبیات الحدیثة إلى عدد من الأمور:
أنھ على الرغم من تعاظم الأبعاد التكنولوجیة للحیاة البشریة، فإن الأبعاد الإنسانیة للتنمیة تظل بحاجة إلى تعمیق وتدقیق.
أن التداخل بین العمل المشترك على المستویین الإقلیمي والعالمي وبین التنمیة یقتضي مزیدا من تقصي طبیعة العلاقة الدینامیكیة بینھما
بحیث یمكن توظیف كل منھما لخدمة الآخر.
وأصبحت التطورات الجاریة من الضخامة بحیث دفعت الاقتصادات المتقدمة، التي التزمت في السابق بأدوات التحلیل الوظیفي، تبحث عن أسس
لإعادة الھیكلة لكي تتمكن من مواجھة التغیرات الجذریة التي تتعرض لھا الحیاة الاقتصادیة، وھو ما یضع تلك الاقتصادات في طور جدید أقرب
إلى طور التنمیة الذي تمر بھ الدول الساعیة إلى النمو.
واتضحت أھمیة الأخذ في الاعتبار التطورات المحتملة التي یضمرھا المستقبل على نحو جعل مما یعرف بالمستقبلیات فرعا من أھم فروع
المعرفة الحدیثة.
وفي الوطن العربي برز أمران یعززان الحاجة إلى مثل ھذه المراجعة:
الأول ھو الشعور المتزاید بأن الإنجازات لم تكن فقط أقل من الطموحات التي كانت منشودة، بل لقد تحول الواقع إلى الاتجاه المضاد، وانتقل
من اللامقبول إلى اللامعقول.
الثاني أن الدینامیكیة التي اتسم بھا النصف الثاني من القرن العشرین قد تصاعدت وتیرتھا في السنتین الأخیرتین على نحو فاق كل ما جال
بفكر أي دارس. ولا تزال المؤثرات الأساسیة التي تتحكم في إعادة تشكیل عالم الغد تمر بمراحل التبلور والنضج، وھي المسئولة عن إفراز
عدد من الأحداث التي حق فیھا وصفھا بالزلازل على كل من المستوى الإقلیمي والمستوى العالمي.
وتثیر الاعتبارات السابقة حاجة إلى استكناه التطورات في كل من الفكر والواقع العملي للحیاة البشریة بالنسبة إلى التنمیة العربیة - قطریة كانت
أم مشتركة - لی